عبد المنعم النمر

62

علم التفسير

عن الحق . . « فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله » على حسب هواهم ، مع أن هناك آيات أخرى تحول بينهم وبين اتباع الهوى . . ولكنهم يتعامون عنها ، ويهملونها ، انتصارا لرأيهم ، وتلبيسا على العوام ، وجذبا لهم . . . وفي مقابل ذم هؤلاء الذين يتعامون عن الحقائق ، ويثيرون الفتن ، ذكر الله طائفة أخرى لا تذهب مذهب الأولين في إثارة الفتن بالمتشابه بل تؤمن به إيمانها بالمحكم ، باعتبار أنهما صادران عن الله سبحانه ، وسماهم الراسخين في العلم ، أي الراسخين في علمهم بالله جل جلاله ، وبالتالي في إيمانهم به . فقال تعقيبا على الأولين وبيانا لموقف الآخرين ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) . ربنا ( أي يدعو الراسخون المؤمنون ربهم قائلين ) لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، لفرط إيمانهم واعتصامهم بربهم . وبذلك وضح موقف فريقين من الناس : فريق يعمد للمتشابه ليؤوله تأويلات فاسدة يقصد منها إثارة الفتن ، وفريق يؤمن به كما يؤمن بالمحكم من الآيات . ، والفريق الأول مذموم . ، والفريق الثاني ممدوح . ويؤكد هذا حديث روته السيدة عائشة رضي الله عنها تقول فيه : ( تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال : ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللّه فاحذرهم . ومع أن الآية والحديث - كما رأيت - يذمان الذين يتبعون المتشابه ، ويؤولونه تأويلا يثير الشبه والفتن ، ولا يتناولان الذين يسألون عن المتشابه سؤالا بريئا بقصد الفهم ، أو الذين يذكرونه ، ويردونه إلى المحكم ، ويفهمونه على ضوئه ، أقول مع هذا أصبح السؤال عن المتشابه أو الحديث عنه مثيرا لعلامة استفهام حول صاحبه ، أو واضعا له موضع الريبة في إيمانه ، حتى تتبين حقيقته . . . ولذا كان من الطبيعي أن يتحاشى المخلصون الصادقون هذه الريبة ، ويبتعدوا ما أمكن عن الكلام حول المتشابه ويكتفوا بالفهم الإجمالي ، رادين كل